ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أن السعودية تقود، إلى جانب عدد من الدول العربية المطلة على الخليج، جهودًا دبلوماسية مكثفة للضغط على البيت الأبيض من أجل ثنيه عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، وذلك بعد أن أبلغت الولايات المتحدة حلفاءها في المنطقة بضرورة الاستعداد لاحتمال تنفيذ هجوم ضد طهران.

وبحسب الصحيفة، فقد التزمت دول الخليج إلى حد كبير الصمت في بياناتها الموجهة للرأي العام، في وقت تشهد فيه إيران احتجاجات واسعة، وسط تقارير صادرة عن منظمات حقوقية تشير إلى مقتل آلاف الأشخاص جراء حملة قمع نفذها النظام الإيراني.

غير أن التحركات الفعلية، وفقًا لمسؤولين خليجيين، جرت بعيدًا عن الأضواء، حيث أبلغت كل من السعودية وسلطنة عُمان وقطر الإدارة الأمريكية بأن أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني بالقوة قد تؤدي إلى اضطراب حاد في أسواق النفط العالمية، وهو ما سينعكس سلبًا في نهاية المطاف على الاقتصاد الأمريكي، فضلًا عن المخاوف من تداعيات داخلية محتملة في دول المنطقة.

وأوضحت الصحيفة أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تكشف بشكل دقيق عن طبيعة العمل العسكري الذي قد يتم تنفيذه ضد إيران، إلا أن مسؤولين أفادوا بأن احتمال شن هجوم يبقى مطروحًا بقوة. ونقلت عن مسؤول في البيت الأبيض قوله إن جميع الخيارات لا تزال مطروحة أمام الرئيس للتعامل مع الوضع الإيراني.

وأضاف المسؤول أن الرئيس ترامب يستمع إلى وجهات نظر متعددة قبل اتخاذ أي قرار، مؤكدًا أن القرار النهائي سيكون وفق ما يراه مناسبًا للمصالح الأمريكية.

وكان ترامب قد وجه، يوم الثلاثاء، رسالة مباشرة إلى المحتجين الإيرانيين، دعاهم فيها إلى تحدي محاولات النظام قمع المظاهرات، وحثهم على السيطرة على مؤسسات الدولة، وكتب عبر منصة "تروث سوشال" أن "المساعدة في الطريق".

وأشارت الصحيفة إلى أن دول الخليج تخشى بشكل خاص من أن تؤدي أي ضربات عسكرية على إيران إلى تعطيل حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو خُمس صادرات النفط العالمية، ويفصل إيران عن جيرانها العرب.

ونقلت "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين سعوديين تأكيدهم لطهران أن المملكة لن تشارك في أي صراع محتمل، ولن تسمح باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ ضربات أمريكية ضد إيران، في مسعى واضح للنأي بنفسها عن أي مواجهة عسكرية مباشرة.

ولم يصدر تعليق رسمي من السفارة السعودية في واشنطن أو من مركز الإعلام الدولي السعودي في الرياض، كما لم تستجب كل من قطر وسلطنة عُمان لطلبات التعليق، وفق الصحيفة.

وبحسب مسؤولين أمريكيين، لم يتخذ الرئيس ترامب قرارًا نهائيًا بشأن التحرك ضد إيران، ويواصل عقد اجتماعات مع مساعديه لمناقشة السيناريوهات الممكنة، والتي تشمل توجيه ضربات عسكرية لمواقع تابعة للنظام، أو تنفيذ هجمات إلكترونية، أو فرض عقوبات جديدة، أو دعم حملات إعلامية وحسابات مناهضة للنظام عبر الإنترنت.

وتعود الاحتجاجات في إيران إلى أواخر ديسمبر، حيث اندلعت في طهران على خلفية أزمة اقتصادية متفاقمة، قبل أن تمتد خلال الشهر الجاري إلى مناطق عدة من البلاد، لتشكل أحد أكبر التحديات التي واجهت النظام الإيراني منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979.

وقالت مجموعة "نشطاء حقوق الإنسان في إيران" إن عدد القتلى تجاوز ألفي شخص نتيجة عمليات القمع، بينما بثّ التلفزيون الإيراني الرسمي لقطات تُظهر عشرات الجثث الملفوفة في أكفان داخل مشرحة قرب طهران.

ورغم أن دول الخليج تعرضت خلال السنوات الماضية لهجمات نفذتها إيران أو حلفاؤها، ما جعل التعاطف مع طهران محدودًا، إلا أن هذه الدول تبدي قلقًا بالغًا من تداعيات أي تصعيد عسكري، خصوصًا في حال سقوط المرشد الأعلى علي خامنئي وما قد يترتب على ذلك من فراغ سياسي أو فوضى إقليمية.

ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إن السعودية تُعد من أكثر الدول حساسية تجاه الوضع المتدهور، حيث أصدرت توجيهات لوسائل الإعلام المحلية بتقليص تغطية الاحتجاجات الإيرانية لتجنب أي رد فعل انتقامي محتمل من طهران.

وقال مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى السعودية في عهد إدارة بايدن، إن الرياض لا تكن أي ود للنظام الإيراني، لكنها في الوقت ذاته تخشى بشدة من حالة عدم الاستقرار. وأضاف أن أي محاولة لتغيير النظام، سواء من الداخل أو بدفع خارجي، تفتح بابًا واسعًا من عدم اليقين الذي تعتبره دول الخليج خطرًا كبيرًا.

وأوضح راتني أن دول الخليج لا تعارض إضعاف القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، لكنها تخشى من البدائل المحتملة في حال الإطاحة بخامنئي، محذرًا من سيناريوهات قد يكون فيها الحرس الثوري في موقع السلطة، أو حدوث فوضى وتفكك داخلي.

وأشار إلى أن وجود نظام مركزي في طهران، رغم عدائه، يوفر قدرًا من القدرة على التوقع، وهو ما قد يختفي في حال انهياره، ما يجعل الوضع أكثر خطورة.

وأفادت الصحيفة بأن القيادة السعودية تخشى منذ فترة طويلة من أن تؤدي الاضطرابات الإقليمية إلى انتقال الاحتجاجات إلى داخل المملكة، أو التأثير سلبًا على خطتها الطموحة "رؤية 2030" التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.

ونقلت عن مسؤول سعودي قوله إن الاستقرار الإقليمي يمثل أولوية قصوى لولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

من جانبه، قال نيل كويليام، الباحث في مركز "تشاتام هاوس" البريطاني، إن أفضل سيناريو لدول الخليج يتمثل في احتواء الاحتجاجات داخل إيران، ودفع النظام نحو إصلاحات محدودة، مع تدخل أمريكي لخفض التصعيد.

وأشارت الصحيفة إلى أن الإمارات لم تشارك في جهود الضغط على واشنطن، رغم قربها الجغرافي من إيران، حيث يرى محللون أنها تميل إلى تحمل مخاطر أكبر مقارنة بالسعودية، وتتبع نهجًا جيوسياسيًا مختلفًا.

ولفت كويليام إلى أن التقارب الإماراتي مع إسرائيل قد يجعل القواعد الأمريكية على أراضيها أهدافًا محتملة لأي رد إيراني، مضيفًا أن طهران تحرص في المرحلة الحالية على تجنب التصعيد مع السعودية، بينما تتزايد التوترات الإقليمية تجاه أبو ظبي.