يمثل التصعيد الأخير في اليمن نقطة تحول حاسمة، ليس فقط في الصراع الأهلي المستمر منذ عقد من الزمن، بل أيضاً في العلاقات بين الأطراف الخليجية الرئيسية، ولا سيما السعودية والإمارات؛ فما بدأ كتدخل موحد بقيادة السعودية ضد جماعة الحوثي في اليمن، تحول إلى نزاع داخلي، كاشفاً عن التباينات في الرؤى الاستراتيجية والتنافسات داخل التحالف المتماسك.
وبحسب تحليل لمجلة "ذا ويك" الهندية، فإن تداعيات الغارة الجوية السعودية على ميناء المكلا، والخلافات حول شحنات الأسلحة الإماراتية إلى المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، وقرار الإمارات المثير للجدل بسحب قواتها، تُشير إلى إعادة تشكيل عميقة للتحالفات الإقليمية، وهو ما سيكون له بلا شك تداعيات خطيرة على اليمن والنظام السياسي الإقليمي في منطقة الخليج.
تصاعد التوترات
في 30 ديسمبر 2025، شنّ التحالف الذي تقوده السعودية غارات جوية على مدينة المكلا الساحلية الجنوبية، زاعماً أن سفناً تحمل أسلحة ومركبات عسكرية من الإمارات كانت متجهة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي. وقد أدانت السلطات السعودية هذه الخطوة باعتبارها انتهاكاً لبروتوكولات التنسيق وتهديداً لأمن اليمن.
في المقابل، نفت الإمارات تزويد أي فصيل في اليمن بالأسلحة، ووصفت الشحنة بأنها معدات لوحداتها الخاصة بمكافحة الإرهاب. وعقب الغارة مباشرة، أعلن أعضاء المجلس القيادي الرئاسي اليمني المدعومون من السعودية حالة الطوارئ، وأمروا بالانسحاب الفوري لجميع القوات الإماراتية، لتعلن أبوظبي بعدها سحب قواتها المتبقية من اليمن.
ويمثل هذا تصعيداً لما كان تبايناً تدريجياً داخل التحالف الخليجي بشأن اليمن. ويكتسب هذا الانسحاب أهمية بالغة، إذ حافظت الإمارات، منذ إنهاء دورها القتالي رسمياً عام 2019، على وجود محدود لمكافحة الإرهاب في البلاد، وقد يشير انسحابها الآن إلى انفضاض استراتيجي أعمق أو إعادة ترتيب الأولويات.
تزايدت حدة التباين بين السعودية والإمارات، اللتين لطالما شكلتا ركيزتي التحالف المناهض للحوثيين في اليمن. ويتمثل الهدف الرئيسي للرياض في إعادة تشكيل حكومة يمنية موحدة ومعترف بها دولياً، وكبح جماح توسع الحوثيين، وهو ما تم تصوره ضمن إطار أمني أوسع يؤثر بشكل مباشر على المناطق الحدودية والاستقرار الداخلي.
على النقيض من ذلك، ركزت استراتيجية الإمارات بشكل متزايد على قوى النفوذ المحلية في جنوب اليمن. هذا التباين ليس بجديد، لكن الأحداث الأخيرة كشفت عن مواطن الخلل في هذا التحالف.
مخاوف السعودية
تجدر الإشارة إلى أن تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي الحازمة قد زادت من مخاوف السعودية من كيان انفصالي متشدد قد يمتد نفوذه إلى حدودها. وتصوّر الرياض هذا الأمر على أنه تهديد مباشر لأمنها الإقليمي ووحدة اليمن.
علاوة على ذلك، يشير تأكيد السعودية أيضاً إلى حسابات جيوسياسية أوسع نطاقاً، حيث تتنافس جهات خارجية ذات مصالح متداخلة على النفوذ في اليمن. تعكس هذه المواقف المعاد تقييمها أنماطاً مماثلة في منطقة الخليج، حيث يمكن أن يكون التعاون بين الحلفاء قائماً على المصالح المتبادلة، وقابلاً لإعادة التشكيل وفقاً للمصالح الوطنية.
كانت الحرب الأهلية في اليمن كارثية، إذ تُعدّ أكبر أزمة إنسانية في العالم. وقد نزح الملايين بسبب هذا الاضطراب الممتد، والذي أدى أيضاً إلى تدخل جهات خارجية في هذا الصراع منذ عام 2015.
يُهدد الخلاف السعودي الإماراتي، الذي بات جلياً، بتقويض فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة، فلطالما كان اليمن مسرحاً لصراع إقليمي بالوكالة بين جهات إقليمية ودولية وجماعة الحوثيين المتمردة، وقد يُفاقم هذا التصدع في التحالف الوضع المعقد أصلاً في منطقة الخليج، بحسب المجلة.
كما يكشف عن إعادة تقييم أوسع للسياسة الخليجية، حيث تُعاد صياغة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية والدبلوماسية في ظلّ تداعيات الربيع العربي وتغير موازين القوى العظمى. وتُظهر المقاربات المتباينة بين الرياض وأبوظبي في اليمن كيف يمكن للتحالفات أن تنهار تحت الضغط. وقد أدانت الجهات الدولية الفاعلة، بما فيها الولايات المتحدة والأمم المتحدة، التصعيد ودعت إلى ضبط النفس. إلا أن الضغوط الخارجية وحدها لا تكفي لحلّ المشاكل الداخلية في اليمن.
يُبرز ظهور هذه التوترات الخليجية الداخلية بشأن اليمن هشاشة أطر التحالفات التي بُنيت دون أهداف استراتيجية متناسقة. وتكشف الأزمة السعودية الإماراتية في اليمن عن تضارب تصورات التهديدات وحدود الدعم الخارجي في تشكيل النتائج الإقليمية. وفي ظل الوضع الراهن، يكمن التحدي في معالجة الأزمة الإنسانية والحرب الأهلية التي يواجهها اليمن، حتى لا تتحول إلى مواجهة أوسع.