في مشهد يعكس الهوة الواسعة بين الدبلوماسية "التأويلية" والواقع الميداني المتفجر في السودان، برز تناقض حاد في قراءة التصريحات الصادرة عن وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن.
فبينما اعتبر المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة أنور قرقاش، أن تصريحات الوزيرة البريطانية هي نفي للمزاعم ضد أبوظبي في السودان، لكن كشف السياق الكامل لحديث الوزيرة عدم وجود نفي لتسليح الدولة لميليشيات الدعم السريع السودانية.
في تدوينة وصفت بالحاسمة، اعتبر قرقاش أن تصريحات كوبر، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، تمثل "تفنيداً للمزاعم" التي تطارد الإمارات بشأن تسليح قوات الدعم السريع.
تغريدة من X.com
https://twitter.com/AnwarGargash/status/2024022776885940389
واستند قرقاش في قراءته إلى مراجعة بريطانيا لـ 2000 رخصة تصدير سلاح، معتبراً أن هذه المراجعة الفنية تنهي الجدل حول التورط الإماراتي.
على الجانب، وبالنظر إلى السياق الكامل لتصريحات الوزيرة البريطانية في ميونيخ، التي تابعها "الإمارات 71" يظهر المشهد مختلفاً. فبينما وصفت كوبر التقارير التي تتحدث عن استخدام أبوظبي لأسلحة بريطانية الصنع لدعم قوات الدعم السريع بأنها "لا أساس لها من الصحة" بعد مراجعة التراخيص، إلا أنها تجنبت بشكل واضح الدفاع عن السجل الإماراتي في السودان.
وعند مواجهتها بأسئلة مباشرة حول استخدام لندن لنفوذها لدى حليفتها أبوظبي لوقف الدعم المزعوم لقوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي في دارفور، آثرت كوبر عدم تسمية الدول، مكتفية بالحديث عن "فشل عالمي جماعي".
وقالت كوبر: "على العالم أن يبدأ بالاستماع"، وهي تشير إلى المأساة الإنسانية، معلنة عن تخصيص 20 مليون جنيه إسترليني لدعم الناجين من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع.
تغريدة من X.com
https://twitter.com/DropSiteNews/status/2022787894092427271
ما الذي حدث؟
تكمن العقدة في أن تأويل قرقاش اختزل حديث المسؤولة البريطانية - التي تعمل على الحفاظ على حليفها الخليجي القوي - في زاوية واحدة، بينما كانت كوبر تمارس "دبلوماسية السير على الحبال"، ولا يخفى على دبلوماسي مثله عمل فترة طويلة في دهاليز السياسة ما قامت به كوبر، لكنه استخدمها كورقة تضليل متعمد، و"شهادة حسن سير وسلوك".
كوبر لم تنفِ دعم أبوظبي لقوات الدعم السريع بشكل مطلق، بل نفت استخدام "أسلحة بريطانية الصنع" في هذا الدعم. وهو نفي تقني يحمي لندن من المساءلة القانونية الداخلية، لكنه لا يبرئ الحليف من استخدام مصادر تسليح أخرى أو تقديم دعم لوجستي ومالي.
يشير مراقبون إلى أن لغة كوبر "المخففة" تعكس حرجاً بريطانياً؛ فبينما تؤكد تقارير "مختبر ييل للأبحاث الإنسانية" وقوع مجازر مروعة في الفاشر (أكتوبر 2025) راح ضحيتها 100 ألف مدني، تصر لندن على عدم توجيه اتهام علني ومباشر لأبوظبي، حفاظاً على المصالح المشتركة، واللغة الدبلوماسية.
لكن استغلال قرقاش لهذه التصريحات قد يؤدي لرد فعل بريطاني عكسي، والنفي في هذه الحالة سيكون مدمراً لسمعة الإمارات بتوجيه اتهام رسمي للدولة.