في خطوة مفاجئة تحمل في طياتها أبعاداً سياسية تتجاوز الأطر الاقتصادية، بدأت الجزائر مؤخراً إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات.
لمناقشة تداعيات هذا القرار وخلفياته، استضاف بودكاست "موجز المونيتور" (Al-Monitor Brief) كلاً من آدم لوسنتي (كمضيف) وكبير مراسلي الأعمال في "المونيتور" جاك داتون (كضيف)، في حوار معمق يسلط الضوء على ما وصفاه بمؤشرات المعارضة المتزايدة للسياسة الخارجية الإماراتية في المنطقة.
يتناول اللقاء الدوافع الكامنة وراء الغضب الجزائري، حيث يربط المتحدثون القرار باتهامات واسعة النطاق، تنفيها الإمارات، تتعلق بدعم أبوظبي لجهات فاعلة غير حكومية وحركات انفصالية في السودان وليبيا واليمن. وتبرز قضية "حركة تقرير مصير منطقة القبائل" (MAK) كنقطة خلاف جوهرية، حيث ترى الجزائر أن تحركات أبوظبي، وعلاقاتها الوثيقة بالمغرب والاحتلال الإسرائيلي، تساهم في تهديد أمنها الداخلي وزعزعة استقرار أجزاء من القارة الأفريقية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يقلل داتون في تحليله من التأثير المباشر لإلغاء الاتفاقية، مشيراً إلى أن التبادل التجاري بين البلدين محدود نسبياً وأن الرحلات الجوية لن تتوقف فوراً بسبب الشروط الجزائية الزمنية في الاتفاقيات. ويخلص الحوار إلى أن خطوة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تُقرأ في المقام الأول كرسالة دبلوماسية حازمة وليست إجراءً عقابياً اقتصادياً، إذ تهدف إلى التعبير عن الاستياء من الدور الإماراتي في الجوار الجزائري.
وفي سياق جيوسياسي أوسع، يضع الحوار هذا التوتر الثنائي ضمن إطار التنافس الإقليمي المتصاعد بين الإمارات والسعودية. ويناقش لوسنتي وداتون كيف أن هذا الخلاف قد يكون جزءاً من حراك أوسع تقوده الرياض لتحجيم النفوذ الإماراتي في مناطق استراتيجية مثل البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مما يجعل القرار الجزائري حلقة في سلسلة من التحولات الدبلوماسية التي تشهدها المنطقة.
قام "الإمارات71" بتفريغ المقابلة وترجمتها إلى العربية، إليكم نصها:
المضيف (آدم لوسنتي): مرحباً بكم مجدداً في "موجز المونيتور". أنا آدم لوسنتي. بدأت الجزائر يوم السبت في إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات. ورغم أن هذه الخطوة قد تبدو عشوائية نوعاً ما، إلا أنها مؤشر محتمل على المعارضة في المنطقة للسياسة الخارجية لدولة الإمارات، وترتبط بالتنافس المتزايد مع السعودية. في هذه الحلقة، سأناقش أنا وجاك داتون، كبير مراسلي الأعمال في المونيتور، قرار الجزائر وجميع الديناميكيات ذات الصلة في الخليج وأفريقيا وخارجها. نأمل أن تستمتعوا بالحلقة.
لفهم هذه الخطوة من قبل الجزائر، نحتاج إلى استعراض ما يحدث مع السياسة الخارجية للإمارات. لقد اتُهمت أبوظبي على نطاق واسع بدعم متمردي قوات الدعم السريع في السودان، رغم أن أبوظبي تنفي ذلك. وفي ليبيا، الإمارات مقربة من إدارة الجنرال خليفة حفتر المتمركزة في الشرق. وفي اليمن، تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو مجموعة انفصالية في الجنوب.
قد تلاحظون نمطاً معيناً من تورط أبوظبي المزعوم في بعض الحالات مع جهات فاعلة غير حكومية؛ فقوات الدعم السريع تقاتل القوات المسلحة السودانية، وحفتر حارب سابقاً الحكومة الليبية المعترف بها دولياً في طرابلس، والمجلس الانتقالي الجنوبي خسر مؤخراً أراضٍ كبيرة لصالح الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية. ولأبوظبي بالطبع أسبابها؛ فقد دُعم جيش حفتر من قبل عدة جهات حكومية في الحرب الأهلية الليبية، والقضية الجنوبية التي يقاتل من أجلها المجلس الانتقالي تحظى بدعم واسع في أجزاء كثيرة من البلاد.
تطور آخر ذو صلة هو صراع الجزائر مع "حركة تقرير مصير منطقة القبائل" (MAK). تزعم الجزائر أن هذه الجماعة الانفصالية البربرية مدعومة من المغرب و"إسرائيل"، وهما شريكان للإمارات في اتفاقيات أبراهام (اتفاقيات التطبيع).
في تحليل حديث، قال جاك إن هذه الصراعات الإقليمية ارتبطت بقرار الجزائر بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون بإلغاء اتفاقية الخدمات الجوية. لكن لماذا تهتم الجزائر بما تفعله الإمارات؟ لنستمع إلى الإجابة.
الضيف (جاك داتون): الخبراء الذين تحدثت معهم حول هذا الموضوع يا آدم، يعتقدون أن هذه خطوة دبلوماسية أو بيان ردًا على ما تراه الجزائر جهوداً إماراتية لزعزعة استقرار أجزاء من أفريقيا، بما في ذلك السياسة الداخلية المتعلقة بحركة (MAK)، بدلاً من كونها إجراءً يهدف لإحداث ضرر اقتصادي فوري. لقد رأينا الهيئة العامة للطيران المدني في الإمارات تقول يوم الأحد إن قرار الجزائر بإنهاء الاتفاقية لن يكون له تأثير فوري على عمليات الطيران. لدى الجزائر عدة مظالم تجاه الإمارات، والعديد منها ينبع من الدعم المتصور للجماعات الانفصالية عبر أفريقيا في بلدان تشمل ليبيا والسودان وحتى أقرب إلى الداخل في الجزائر.
لقد خص الرئيس تبون الإمارات بالذكر نوعاً ما دون تسميتها صراحة، ولكن يُعتقد على نطاق واسع أنه يقصد الإمارات بدعم هذه المجموعات. عندما تنظر إلى الدول المختلفة، تجد أن المسؤولين ووسائل الإعلام الجزائرية انتقدوا بشدة السياسة الخارجية للإمارات في ليبيا والسودان واليمن. ربما تكون ليبيا هي الأهم لأنها تشترك في حدود مع الجزائر، وتدعم الجزائر الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس، بينما اتُهمت الإمارات بدعم القوات الشرقية بقيادة المشير خليفة حفتر وحتى تزويد تلك القوات بالسلاح. لذا أعتقد أن الجزائر ترى في تدخل الإمارات في السياسة الخارجية، خاصة في ليبيا، تهديداً لأمنها الخاص، وهذه واحدة من مظالمها الرئيسية.
هناك أيضاً اعتقاد بأن هذه الخطوة لإلغاء الاتفاقية الجوية موجهة أيضاً نحو منافس الجزائر وجارتها المغرب بسبب دعمها لـ"إسرائيل" والتقارب مع الإمارات، وكذلك دعم حركة (MAK).
لذا هناك بعض المظالم لديهم، ويمكن ربطها أيضاً ببعض الاتفاقيات التي أبرمها المغرب في السنوات القليلة الماضية. على سبيل المثال، أغلقت الجزائر مجالها الجوي مع المغرب وقطعت العلاقات في عام 2021 بعد قرار المغرب الانضمام لاتفاقيات التطبيع. هذه أيضاً ردود فعل لما يراه تبون من أن الإمارات لديها علاقات قوية بالمغرب، وفي نفس الوقت علاقات قوية بجماعات مزعزعة للاستقرار.
المضيف (آدم لوسنتي): سألت جاك أيضاً عن التأثير الاقتصادي الذي قد يحدثه قرار الجزائر. الإمارات مركز رئيسي للسفر الجوي، ومطار دبي الدولي صرح مؤخراً أنه كان الأكثر ازدحاماً في العالم بـ 95.2 مليون مسافر. لكن تأثير إلغاء الجزائر لصفقة الخدمات الجوية قد يكون محدوداً. إليكم ما قاله جاك.
الضيف (جاك داتون): هذا لا يعني أن إنهاء الاتفاقية لن يؤثر وربما يقلل من حركة الطيران بين البلدين على المدى الطويل. في الواقع، هذا يمنح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تفويضاً مطلقاً لتقييد الخدمة الجوية متى شاء إذا لم يتم إحياء الصفقة، وهو أمر غير مرجح وفقاً للخبراء. لكن من حيث العلاقات الاقتصادية، فهي ليست قوية حقاً. لا تعتبر أي من الدولتين شريكاً اقتصادياً رئيسياً للأخرى؛ لذا لن نرى تأثير هذا لبعض الوقت لأن العديد من اتفاقيات الخدمات الجوية هذه لديها فترة إنهاء تصل إلى 12 شهراً. ولهذا السبب قالت هيئة الطيران المدني الإماراتية إنه لا يوجد تأثير فوري.
حتى ذلك الحين، من المرجح أن تظل الرحلات سارية وتستمر بموجب الأذونات الحالية ما لم يحدث خلاف دبلوماسي أكبر. ومع ذلك، تسمح اتفاقية الخدمات الجوية لعدد غير محدود من شركات الطيران الوطنية من كلا البلدين بالعمل دون قيود. عندما يتوقف ذلك، سيكون له تأثير على الرحلات، لكن ليس هناك الكثير من الرحلات أصلاً. طيران الإمارات تشغل رحلة يومية إلى الجزائر العاصمة، والاتحاد للطيران توقفت عن الطيران للجزائر في نوفمبر الماضي. الخطوط الجوية الجزائرية تشغل 13 رحلة أسبوعياً إلى دبي.
الأرقام ليست ضخمة، عدد الجزائريين في الإمارات حوالي 30,000، وعدد الإماراتيين في الجزائر منخفض جداً. من حيث التبادل التجاري، صدرت الإمارات بضائع بقيمة 962 مليون دولار للجزائر في 2023 (حديد، سيارات)، بينما شحنت الجزائر حوالي 10.7 مليون دولار فقط للإمارات (هيدروجين، ذهب، فواكه)؛ لذا، التأثير الاقتصادي ليس فورياً ولا يهدد أحجام التجارة بشكل كبير. إنها رسالة دبلوماسية أكثر منها اقتصادية.
المضيف (آدم لوسنتي): تأتي خطوة الجزائر وسط التنافس المتزايد بين الإمارات والسعودية. من حيث موقف الجزائر، أشاد تبون بالعلاقات مع السعودية وقطر والكويت في خطاب يوم السبت، لكنه استثنى الإمارات بشكل ملحوظ. إليكم جاك حول كيفية ارتباط خلاف الخدمات الجوية بالتنافس السعودي الإماراتي.
الضيف (جاك داتون): لا أعتقد أن هذا حادثا ثنائيا منعزلا بين الجزائر والإمارات. أعتقد أننا نرى معارضة إقليمية متزايدة للسياسة الخارجية للإمارات، وأعتقد أن السعودية هي من تقود ذلك، وهي المنافس الخليجي الرئيسي للإمارات وأكبر اقتصاد في الخليج.
بالنظر إلى اليمن، كانت هناك اشتباكات وتوترات حيث دعمت أبوظبي والرياض قوى مختلفة. كان هناك حادث حيث فجرت السعودية أسلحة جلبتها الإمارات لتسليح ميليشيا معينة، نتيجة لقلق الرياض من نفوذ أبوظبي. أعلنت الإمارات سحب دعمها لليمن بسرعة لتجنب أي مواجهة مع الرياض. رأينا الصومال يبتعد قليلاً عن الإمارات بسبب دعمها لأرض الصومال (صوماليلاند)، واقتراب الصومال أكثر من السعودية.
كما رأينا اتهامات رسمية وتوترات دبلوماسية في أماكن أخرى، كما هو الحال في السودان واتهام الحكومة للإمارات بدعم قوات الدعم السريع. السعودية تبرم اتفاقيات دفاعية مع باكستان وتركيا لمحاولة عزل الإمارات، بينما تبرم الإمارات اتفاقيات مع الهند. الأمر يتمحور كثيراً حول هذا التوازن الذي تقوده السعودية ضد التعاون والنفوذ الإماراتي-الإسرائيلي في منطقة البحر الأحمر الحيوية استراتيجياً.