كشف خبيران أمريكيان بارزان في الشؤون الإقليمية عن عمق الخلافات البنيوية بين السعودية والإمارات، مؤكدين أن التنافس بين البلدين تجاوز مرحلة التباين السياسي إلى صراع نفوذ مفتوح، خاصة في اليمن والسودان والقرن الأفريقي، وسط اختلاف جذري في الرؤية الجيوسياسية وطريقة إدارة النفوذ الإقليمي.
جاء ذلك خلال ندوة عقدها المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي في واشنطن، حيث قدّم كل من برنارد هيكل، أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون، ومايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى السعودية، قراءات متقاطعة لطبيعة الأزمة وتداعياتها.
سياسات تُدار بالشخصنة وصراع على الدور الإقليمي
وقال برنارد هيكل إن السياسات في دول الخليج تُدار "بدرجة عالية من الشخصنة"، معتبرًا أن موقف الشيخ محمد بن زايد رئيس الدولة المعادي للحركات الإسلامية يلعب دورًا حاسمًا في تحديد علاقات أبوظبي مع عدد من الدول والقوى الإقليمية.
وأوضح هيكل أن الخلاف بين السعودية والإمارات "كبير وهيكلي"، ولن يختفي، لأن الرياض تسعى إلى أن تصبح ما تمثله الإمارات اليوم: مركزًا إقليميًا للأعمال والاقتصاد العالمي. وأضاف أن السعودية ترى نفسها "الغوريلا ذات الـ800 رطل" في المنطقة، وتتصرف على هذا الأساس، في حين ترفض الإمارات أن تُعامل كشريك أصغر، وتصرّ على موقع الندّية.
وبحسب هيكل، فإن هذا التباين دفع الإمارات إلى تبنّي سياسة خارجية مستقلة تقوم على بناء مناطق نفوذ أو هيمنة فعلية في دول مثل اليمن، والسودان، وأرض الصومال، وهو ما أثار استياءً متزايدًا في الرياض، التي ترى أن أبوظبي تجاوزت "حدود مكانتها".
وأشار إلى أن الإمارات حاولت التقرب من الكويت في خطوة فُسّرت على أنها محاولة لإزعاج السعودية، إلا أن الكويت رفضت الانخراط في هذا المسار.
اليمن نقطة الانفجار
ويرى هيكل أن نقطة التحول الحاسمة جاءت عقب اجتماع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وطلبه التدخل في الملف السوداني، وهو ما فُهم إماراتيًا على أنه ضغط أمريكي موجّه ضد أبوظبي.
وقال هيكل إن رد الإمارات كان عمليًا: "سنُريك أن لدينا أوراقًا أخرى"، معتبرًا أن تصعيد الدور الإماراتي في اليمن جاء كرسالة مباشرة للسعودية. وأضاف: "هنا شعر السعوديون أن الكيل قد طفح، وأن ما حدث كان القشة التي قصمت ظهر البعير".
وأوضح أن رد الفعل السعودي كان حازمًا ومفاجئًا، في حين بدا أن الإمارات قالت، بشكل غير مباشر: "إذا أردتم امتلاك اليمن بالكامل، فافعلوا ذلك، لكنكم ستدفعون ثمن الحفاظ على وحدته، وهو ثمن باهظ".
ورغم ما يبدو أنه تراجع إماراتي، يرى هيكل أن أبوظبي "لم تنسحب فعليًا"، بل ستحافظ على وجودها ونفوذها، متوقعًا أن تظل العلاقة مع السعودية متوترة، وإن دون العودة إلى مستوى الصدام الحاد السابق.
صراع انفجر علنًا
من جانبه، قال مايكل راتني إن كثيرين توقعوا حدوث أزمة بين السعودية والإمارات، لكن "حدة الانفجار وتوقيته، وظهوره العلني على وسائل التواصل الاجتماعي، فاجأت الكثيرين".
ووصف راتني التنافس بين البلدين بأنه "شديد وقريب من كونه لعبة صفرية"، مشيرًا إلى أن ما قامت به الإمارات لم يكن مجرد استخدام وكلاء محليين للتعبير عن نفوذها، بل تحرك مباشر في منطقة تمثل عمقًا استراتيجيًا وأمنيًا طويل الأمد للسعودية.
وأضاف أن الرياض تنظر إلى هذه التحركات على أنها "تهديد للأمن القومي"، وليس مجرد شراكات محلية عابرة.
"إسرائيل" ورقة إماراتية ورسائل متبادلة
وتطرق راتني إلى الروايات المتداولة بشأن تحالفات كل طرف، معتبرًا أن الحديث عن تحالف سعودي مع الحركات الإسلامية أو تركيا، مقابل علاقات إماراتية مع "إسرائيل"، "تبسيط مخل وغير مفيد"، لأنه يصعّب على الطرفين إيجاد أرضية للعودة إلى التعايش.
وأوضح أن أبوظبي اتخذت قرارًا استراتيجيًا ببناء علاقة مستقرة مع إسرائيل، لا تتأثر بتقلبات السياسة الإقليمية، واستخدمت هذا الخيار بنجاح كورقة أمام الغرب والولايات المتحدة، باعتبارها "الدولة العربية ذات العلاقة الإنتاجية مع إسرائيل".
في المقابل، قال إن السعودية مستعدة للتطبيع، لكنها تريد مقابلًا واضحًا، يتمثل في معاهدة أمنية أمريكية تمنحها ضمانات قوية ضد التهديدات، خصوصًا من إيران، لكنها "غير مستعدة للدفع بأي ثمن"، ولا ترى التطبيع أولوية قصوى في الوقت الراهن.
مفارقة الأدوار
ووصف برنارد هيكل المشهد بأنه "مفارقة غريبة"، إذ تتصرف السعودية كدولة تريد الانكفاء والتركيز على الداخل وتجنّب الصراعات، بينما تتصرف الإمارات كدولة كبرى ذات طموحات إقليمية وهيمنية، جزئيًا بفعل علاقتها مع إسرائيل.
أما راتني، فاعتبر أن جوهر المشكلة يكمن في أن القواسم المشتركة بين البلدين هي نفسها أسباب الانقسام: كلاهما دولتان نفطيتان، تسعيان لتنويع الاقتصاد، وتعارضان الحركات الإسلامية، وتريان إيران خصمًا رئيسيًا، وتريدان الانتقال من منطق الصراعات إلى منطق الأعمال والتكنولوجيا والدفاع.
لا وساطة أمريكية حاسمة
واستبعد راتني أن تختار الولايات المتحدة طرفًا في هذا النزاع، مؤكدًا أن واشنطن تمتلك مصالح استراتيجية كبيرة مع البلدين، وأن تجربة أزمة قطر عام 2017 أثبتت أن التدخل الأمريكي المباشر "لا يغيّر الكثير".
وختم بالقول إن السعوديين والإماراتيين "سيتوصلون في النهاية إلى صيغة تفاهم بأنفسهم"، كما حدث في أزمة قطر، حيث أدى الضغط إلى نتيجة عكسية، وانتهى الأمر بقلب صفحة الخلاف.